العناوين أخبار دولية موقف دول اتحاد المغرب العربي من مبادرة الحكم الذاتي 

موقف دول اتحاد المغرب العربي من مبادرة الحكم الذاتي

ذ: محمد المكليف
مـقـدمـة
لقد قدم المغرب مبادرته للحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية كأرضية مناسبة، وقادرة على إخراج هذه القضية من المأزق المفتعل الذي وصلت إليه، إيمانا في الحفاظ على استقرار منطقة المغرب العربي، وبناء تجمع إقليمي منسجم قادر على مواجهة تحديات العولمة.
ويأتي المقترح المغربي في سياق دولي وإقليمي صالح لتسوية سياسية مقبولة من جميع الأطراف بعد أن تأكد استحالة تطبيق مطلب الخصوم حول استفتاء تقرير المصير.
بالإضافة إلى الارتياح الذي أعرب عنه جل دول المنطقة بعد إطلاعهم على مضامين المقترح، ولمس نية المغرب في إنهاء الصراع وجمع شتات أبنائه تحت مظلة تخول لسكان الصحراء المغربية تقرير مصيرهم تماشيا مع إرادة المجتمع الدولي نظرا للمقاربة الجديدة المبنية على الشراكة والديمقراطية من خلال أشراك مختلف الفعاليات الوطنية المنحدرة من الأقاليم الجنوبية بالذات.
ومن هنا استحسنت جل دول اتحاد المغرب العربي هذا المقترح ولو بشكل متفاوت، باستثناء الجزائر التي بقيت متصلبة لموقفها لأسباب تغدها هواجس السيطرة على المنطقة.
وتروم هذه الدراسة ملامسة موقف دول اتحاد المغرب العربي لنأكيد أنها تؤيد صراحة أو ضمنا المقترح المغربي كخيار وحيد لإخراج المنطقة من التواثرات التي تعرفها.
المحور الأول: الموقف الجزائري المحكوم بهاجس السيطرة على منطقة المغرب العربي
تعتبر الجزائر الدولة الوحيدة من بلدان المغرب العربي التي تعارض مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، ولعل هذا الموقف المتصلب تحركه هواجس الهيمنة التي ترغب الجزائر فرضها على منطقة شمال إفريقيا، لذلك لجأت إلى كل الدسائس والحيل لتحقيق مطلبها، وسخرت كل إمكانياتها في سبيل النيل من الوحدة الترابية للمملكة المغربية لا لشيء إلا لأنه يقع في موقع استراتيجي من خلال إطلاله على منفذين بحريين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي الأمر الذي ولدا عقدة كبيرة لدى الساسة الجزائريين ورغم هذا الكره الغير المبرر، إلا أن المغرب ظلت يده مدودة للجزائر لإنهاء حالة التوتر هاته، لكن في كل مرة يظهر أن هناك تعنت كبير واستمرار في نهج سلوك استفزازي تجاه المغرب.
وفي هذا الصدد يجب التوضيح للرأي العام الدولي أن المغرب بادر بحسن نية لإنهاء الخلاف المزعوم، أثناء الزيارة التي قام بها جلالة الملك محمد السادس مترئسا وفد بلاده في القمة العربية التي انعقدت ما بين 22 و 23 مارس 2005، وعلى هامشها، التقى بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة واعتبرها آنذاك جل المتتبعين للعلاقات المغربية الجزائرية أنها إشارة قوية، ورغبة صادقة من العاهل المغربي لبناء الثقة وتوثيق أواصر حسن الجوار لكن الجزائر كعادتها أقبرت هذه المبادرة وقضت عليها في المهد من خلال السلوك الأرعن الذي قام به الرئيس بوتفليقة بإرساله خطاب إلى زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية يهنئه فيها بمناسبة ذكرى تأسيسها مؤكد له :"التزم الجزائر بتبني قضية سكان الصحراء حتى الاستقلال وإقامة دولتهم".
وهنا أظهرت الجزائر سوء نيتها وأنها ترغب في جعل المنطقة في توثر من أجل مصالحها إستراتيجية عكس إدعاءاتها أنها تدافع عن سكان الصحراء المغربية ولتحقيق مطلب الزعامة الإقليمية، أدخلت معها على الخط دولة أخرى لها نفس الهدف في الجزء الجنوبي من القارة السوداء، ونخص بالذكر جنوب إفريقيا، حيث تم صياغة مخطط بينهما تلتزم الجزائر بمقتضاه حشد الدعم الكامل لإنجاحه معتمدة في ذلك على احتياطات البترول حيث تم حرمان الشعب الجزائري الشقيق من الاستفادة منه لتحقيق التنمية، أو تسخيره لشراء اعترافات لدولة وهمية، كما التزمت بضخ جزء كبير منه لفائدة جنوب إفريقيا عبر محور الجزائر- لاكوس- جوهانسبورغ- لتقوم استغلال عضوية هذا البلد داخل مجلس الأمن للترويج للأطروحة الانفصالية ومعارضة المقترح المغربي ومن هنا لا يفاجئنا السلوك العدائي لمندوب جنوب إفريقي تجاه المغرب لأنه بطلب من الجزائر التي ستقوم بالمقابل دعم نفس البلد في مخططها بإفريقيا، وهو ما حصل بالفعل داخل منظمة الاتحاد الإفريقي حيث شنت حملة واسعة لكي تحتضن جنوب إفريقيا مقر البرلمان الإفريقي على حساب دولة من اتحاد المغرب العربي، وتكون الجزائر بذلك خارقة لاتفاقية اتحاد المغرب العربي، كما أن البلدين معا (الجزائر- جنوب إفريقيا) اتفاقا على توزيع الأدوار بينهما في هذه القارة كل في المنطقة التي يرغب السيطرة عليها.
وبذلك بات مخططهما مفضوحا أمام المجتمع الدولي، وأن أطروحة الدفاع عن ما يسمى بالشعب الصحراوي هي خدعة تحتمي الجزائر وراءها، وتتخذها كمطية لإحكام قبضتها على منطقة المغرب العربي، وهذا هو السر في معارضتها لمشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، والدليل على أن الجزائر هي التي تقود هذه الحملة، ويكفي للإشارة أنه قبل صدور القرار 1754، روجت ألتها الدبلوماسية لأخبار كاذبة عن نجاح البوليساريو في إقناع أعضاء مجلس الأمن بعدم صلاحيته المبادرة المغربية حتى لا تتم الإشارة إليها في مضمون القرار أنها إيجابية، أو بشكل ذات أسبقية على المقترح الإنفصالي، خارقة بذلك مبدأ احترام سرية النقاشات الدائرة داخل المجلس دون انتظار التصويت النهائي على القرار.
بل أكثر من ذلك سبقت الجزائر قيادات جبهة البوليساريو عبر إصدار توجيهات إلى ممثل الجبهة في الجزائر الحاصل على صفة سفير مزعوم لما يسمي بالجمهورية الصحراوية والوهمية، التي لا وجود لها بالنسبة للأمم المتحدة ومعظم دول العالم للإعلان بأن جبهة البوليساريو مستعدة للمفاوضات مع المغرب.
مما يؤكد مرة أخرى أن الجزائر هي من تقود هذه الحركة، وتحدد مواقفها، وهي من كانت تقف وراء استباق المغرب لتسليم مبادرته للأمين العام للأمم المتحدة، التي عبرت فيه عن نواياها التقسمية للمغرب بدليل أن المطالب المزعومة البوليساريو قدمت باللغة الفرنسية التي تتقنها الجزائر الأمر الذي دفع بعدد من أعضاء مجلس الأمن للاستغراب لأن اللغة التي يستخدمها البوليساريو الإسبانية والإنجليزية والعربية.
فموقف الجزائر المتصلب أصبح واضحا لدرجة أن الأستاذ يحيى الجمل الفقيه الدستوري المصري والوزير السابق صرح أنه "لم يكن يرضى القوميين العروبيين سواء في المغرب أو المشرق العربي لهذا السلوك" مؤكدا أن المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي في الصحراء "مبادرة مدروسة، دراسة علمية، وتستهدف صالح الشعب المغربي كله، وفي القلب منه سكان الصحراء".
فهذا الموقف له دلالة كبيرة لأنه صادر عن متخصص وممارس، وفيه إشارة قوية على أن المقترح المغربي هو الحل الوحيد الذي يمكن أن يجتمع عليه كل السكان المنحدرين من الأقاليم الجنوبية للمملكة قائلا :"من خلال المبادرة المغربية، التي كانت تمرة ورغبة حقيقية في التخلص من بؤر التوتر من أجل التفرغ لإحداث تنمية حقيقية، يكفل المغرب لجميع الصحراويين سواء الموجودين في الداخل أو الخارج الحفاظ على مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء" (المصدر صحيفة المصري اليوم 14 أيار 2007).
إن الموقف الجزائري يرمي إلى خلق الفتنة بين الأسرة واحدة الذي يوجد جزء منها على التراب الجزائري "تندوف" والذين يوجدون في وطنهم بالعيون والسمارة والداخلة وفي غير ذلك من المدن الجنوبية.
المحور الثاني:مواقف جل دول اتحاد المغرب العربي الداعمة للمقترح المغربي
لم تعد موريتانيا طرفا أساسيا في الصراع، لكن فرض عليها قربها الجغرافي، واشتراك سكانها في العادات والتقاليد مع القبائل الصحراوية المغربية الاهتمام بتطورات النزاع ومن بين العوامل التي أدت لهذا البلد أن يلتزم بالحياد، كونه تعرض للهجوم بالقوة من طرف جبهة البوليساريو بدعم من الجزائر، حيث استهدفت العاصمة نواكشط سنة 1976، وثم ضرب القصر الرئاسي بصواريخ "سام6" و"سام"، وبسبب ذلك اكتفت بدور المراقب في هذا النزاع.
لكن مع وصول معاوية ولد سيدي أحمد الطايع إلى السلطة في موريتانيا بدأ يظهر انفتاح كبير على الموقف المغربي، بل وحتى بعد سقوط نظامه أعرب سلفه ولد محمد فال أثناء زيارته إلى فرنسا عن نفس الموقف حيث قال:" إننا مازلنا نرى أن أفضل حل لهذا النزاع هو حل سياسي توافقي، وهذا يعني أن مجموع الأطراف المعنية يمكنها أن تتفق على حل"، بل اعتبر أكثر من ذلك أن مشكل الصحراء المغربية، هو بين أبناء ينتمون لنفس الوطن ويجب أن يسوا الخلاف فيما بينهم من خلال قوله:"إن الأمر يتعلق بنزاع بين إخوة ومشكلة تهم الساكنة ذاتها والأشخاص ذاتهم".
والقيادة الحالية في موريتانيا لم تغير موقفها من ذلك، فلم تصدر أي تصرح عن أي جهة رسمية تؤكد غير ذلك بل على العكس نجد المجتمع السياسي والمدني، يدعم الموقف المغربي بشكل صريح، وفي هذا الصدد نأخذ موقف الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي أصدر بلاغا وزع على جميع السفارات والتمثيليات الدولية بنواكشط تضمن ما هو أتي:" نحن أطر الحزب الديمقراطي الاشتراكي، نعلن بحزم وعزم دعمنا ومساندتنا لصاحب الجلالة الملك محمد السادس وللشعب المغربي الشقيق إثر الهجمة العدوانية من بعض دول المنطقة، وكذلك بعض التصريحات الهادفة إلى فصل الصحراء عن المملكة المغربية".
وطالب هذا البلاغ أعضاء مجلس الأمن الدائمين والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي حث بعض الدول المجاورة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، وعدم المساس بوحدته الترابية، وأضاف البلاغ أن :"الصحراء عرقيا وتاريخيا مغربية وسكانها متساوون مع كل المغاربة الأخيرين امام القانون.
أما المجتمع المدني الموريتاني أعرب بدوره في ندوة ضمت مفكرين ومثقفين وإعلاميين حول موضوع:" مبادرة الحكم الذاتي وأفاق الحل في الصحراء" أجمعت كل توصياتها على ضرورة اعتماد المبادرة المغربية كأساس وحيد لمفاوضات الحل النهائي.
وفي هذا الإطار، أكد ديدي ولد السالك الحقوقي وأستاذ القانون في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية بنواكشط على أن محددات الموقف المغربي تنطلق من إرادة حقيقية لا يجاد حل نهائي يضمن وحدة أراضيه، ليتفرغ لمواجهة إكراهات التنمية.
أما بخصوص ليبيا، فمنذ توقيع معاهدة الاتحاد العربي- الإفريقي مع المغرب في 13 غشت 1984، تغير موقفها اتجاه قضية الصحراء المغربية، بل أصبح اليوم أكثر وضوحا في دعم المقترح المغربي، ويظهر ذلك من خلال الزيارة التي قام بها المبعوث الشخصي لمعمر القدافي وهو ابن عمه "قداف دم" الذي يطلق عليه رجل المهمات الصعبة، لمدينة العيون في26 مارس 2006 لمقابلة جلالة الملك محمد السادس، فاختيار هذه المدينة له دلالة كبيرة كون إقدام ليبيا على هذه الخطوة فهو اعتراف بمغربية الصحراء وإلا كان من الممكن أن يتم هذا اللقاء في العاصمة الرباط، بل أكثر من ذلك فقد أكد مبعوث القدافي أن ليبيا "جمدت علاقاتها مع البوليساريو" خاصة حينما بدأت الجزائر تتأمر على مصالحها بتنسيق مع جنوب إفريقيا.
أما موقف تونس اتجاه مبادرة الحكم الذاتي بصفة خاصة، وقضية الصحراء بصفة عامة مرتبط بقناعة الساسة في تونس بأن المشكل هو بين المغرب والجزائر وعلى البلدين أن يتفاوضا لمعالجته وبالتالي تتحاشى تقديم موقف واضح حفاظا على توازن علاقتها مع الطرفين، لكن الملاحظ أن موقف تونس وإن لم تفصح عنه فهو يميل إلى دعم الطرح المغربي، لأنه حينما نلقي نظرة على لائحة الدول الأعضاء التي تعترف بالجمهورية الصحراوية الوهمية لا نجد ضمنها تونس مما يعني رفض هذه الأخيرة بشكل مطلق قبول أي كيان دخيل على منطقة المغرب العربي.
خـاتـمـة:
إن القراءة المتأنية لموافق دول اتحاد المغرب العربي اتجاه قضية الصحراء المغربية على وجه العموم تعطي انطباعا على أن جميع الدول تؤيد سيادة المغرب على أراضيه، وأن المبادرة الخاصة بالحكم الذاتي هو تطور إيجابي في الموقف المغربي، وأنه حان الوقت على أن تكف الجزائر في إشعال نار الفتنة بين المغاربة المنحدرين من أصول صحراوية، وفسح المجال أمامهم لتسوية خلافاتهم الداخلية وأن تتخلى عن أطماعها الإستراتيجية في المنطقة والتفكير في تنمية أقطار المغرب العربي

|