| 
من يصنع القرار بالمغرب؟

ملف من إعداد ملتقى الحقيقة
هناك الكثير من القرارات تصدر يوميا على اختلاف المستويات المحلية والوطنية لكن الذي يهمنا هنا في هذا المقام هي القرارات العليا التي لها طابع استراتيجي وانعكاسات إيجابية أو سلبية إن على المستوى الوطني أو العلاقات التي تربطنا بغيرنا من الدول. وإن مناخ الحرية والديمقراطية التي يحياها العالم، أصبحت تفرض وضوح العديد من المواقف والآفاق السياسية على مستوى المسؤولية الوطنية والدولية. وحيث أن المغرب من بين الدول التي انخرطت بشكل جدي في هذا المناخ الذي يحتاج إلى الكثير من الوضوح في اتخاذ القرارات التي تلزم الجهات المعنية بالتحلي بالشجاعة والمسؤولية أمام الرأي العام الوطني، وتغيير العديد من المواقف والتقاليد انسجاما مع التوجه الجديد للمسار الذي أصبح يحكم المغرب الحداثي الديمقراطي والذي يجب ان يضيف المزيد من التطبيع للعلاقات بين المسؤولين والمواطنين، هذا التطبيع الذي يهم تدبير الشأن الوطني والعلاقات الأجنبية والمنظمات الدولية بخصوص اتخاذ القرارات الملائمة للحفاظ على المكتسبات الوطنية والرفع منها وطنيا ودوليا. إن اتخاذ أي قرار يهم الشأن العام لابد وأن يكون له انعكاسات على الوطن والمواطنين، وخاصة منها القرارات ذات البعد الوطني أو الدولي. وهو ما أصبح يفرض الكثير من التروي والبحث والتشاور وبعد النظر وإشراك المختصين والنخب السياسية وغيرها من أجل اتخاذ القرار المناسب. وهو ما أصبح يصطلح عليه بصنع القرار في الدول الديمقراطية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا لابد أن تمر القرارات الهامة بمكاتب الدراسات الاستراتيجية ومناقشتها من طرف المجتمع المدني وممثلي الشعب (الكونجرس) وفي المرحلة الأخيرة يعود إلى الجهاز التنفيذي، وهو ما يعطي للقرار بعده الوطني لأن الجميع قد ساهم في صنعه، وهو بذلك يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية إن إيجابا أو سلبا. وبالنسبة للدول الحديثة العهد بالديمقراطية كالمغرب لابد من مراعاة ظروف الانتقال الديمقراطي والقوانين التي تحكم كل بلد حتى لا نكون مجرد ناسخين لتجارب لاتمت لواقعنا بصلة. إلا أنه يجب ألا تبقى هذه القوانين والدساتير كأنها وحي من السماء لا تقبل التعديل والتغيير، بل إن ظروف التغيير أصبحت تهب على كل بقعة من الأرض، وأصبح العالم قرية يستطيع أيا كان أن يكون ملما بما يحدث فيه في كل وقت وأن...وهذا ما تنبه إليه المغرب حيث أصبح مناخ الحرية وحقوق الإنسان و التوجه الجدي نحو دمقرطة المؤسسات يسير في اتجاه إيجابي وبإرادة قوية نحو ترسيخ هذه المبادئ. إلا أنه وفي إطار الديمقراطية الحقة لابد وأن تتحمل كل جهة مسؤوليتها، بدل أن تتنصل منها هذه الجهة أو تلك بدعوى أنها مغيبة عن القيام بواجبها وتحمل مسؤوليتها. وكذا أن القرارات المتخذة لا ضلع لها فيها، بالرغم من أن بعض هذه الجهات تشارك في الحكومة وتقوم بتصريف الشأن العام بها، وتدعي في نفس الوقت أن القرارات الهامة تصنع خارج الحكومة ولا علم لها بذلك. وهنا يجب التساؤل أولا من يصنع القرار بالمغرب؟ وثانيا من يقرر ويأمر بالتنفيذ؟ وبالنسبة للسؤال الأول هناك القلة هي التي تعرف الجهة التي تصنع القرار في المغرب، ويبقى من المسلمات أنه لكي تصنع قرار لا بد لك من معطيات، ولكن السواد الأعظم من المواطنين يختلط عليهم الأمر، ولا يعرفون إلا جهة معينة يظنون أنها تقوم بذلك. وحتى نتعرف على رأيهم في الموضوع سألنا مجموعة من المواطنين بكل من فاس ومراكش والدار البيضاء ووجدة وطنجة وأكادير تختلف مستوياتهم الثقافية، فأكد 36 من 42 منهم بأن مستشاري الملك هم الذين يصنعون القرارات الهامة أو ما أسماها بعضهم بحكومة الظل وأكد أن الحكومة ما هي إلا واجهة لنشرا لإعلانات. وعندما سألناهم عن دور الوزير الأول ، قال بعضهم بالحرف (ديكور) لتأثيث المشهد السياسي ولا حق له في صنع القرارات العامة، وقال أحد الطلبة منهم وهو يهيئ الدكتورة الوطنية في القانون العام، إن اختصاصات الوزير الأول في الدستور المغربي لا تكاد تذكر وأنها ضعيفة ومقلصة بالإضافة إلى ذلك أن البرنامج والمراسيم كلها لا بد وأن تمر بالمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، وأضاف بقوله هذا هو الدستور المغربي. فهو يعطي الحق لجلالة الملك، ومن حقه أن يعفي الحكومة ويصدر الأمر بتنفيذ القانون. ويحل مجلسي البرلمان ويعتمد السفراء لديه، ويعتمد السفراء لغيره ويوقع المعاهدات ويعلن حالة الاستثناء ويرأس المجالس العليا للقضاء والتعليم والتخطيط ، وله حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية. هذا وإن تعيين الوزير الأول من الحزب الذي تبوأ المكانة الأولى في الانتخابات الأخيرة هو مبادرة تنم عن التوجه الديمقراطي لجلالته بالرغم من أن الدستور لا يفرض عليه ذلك. وعندما سألنا زميلا له في نفس الشعبة قال: إن الدستور المغربي جاء في فترة لم تسمح الظروف بأحسن من ذلك. والآن المغرب يعيش في ظروف أخرى أحسن بكثير من السابق، وأن هناك حاليا مطالب دستورية لتوازن السلط من طرف بعض الأحزاب والهيئات السياسية وخاصة اليسار منها، وذلك للتخلي عن بعض الاختصاصات لفائدة الوزير الأول والحكومة بصفة عامة، وكذا دعم المؤسسة التشريعية للقيام بواجبها. وأضاف إن المغرب مهيأ لذلك الآن بالرغم من أن المطالب الدستورية لم تتبناها الطبقات الشعبية بعد ، وأن الهيئات السياسية والنخب الوطنية والمجتمع المدني، لم تقم بعد بتعبئة المواطنين للمطالبة بذلك. وأن هموم الطبقة الشعبية الآن هي الحصول على لقمة العيش، وأنها تضع الثقة الآن في جلالة الملك محمد السادس الذي أبان عن تجنده لخدمة الشعب المغربي وخاصة الطبقة الفقيرة منه. وأن مناخ الحرية التي يحياه المغرب يشير بالمزيد من هذه الحريات وبالتالي إشراك الشعب في تحمل المسؤولية عن طريق ممثليه بإيلاء العديد من الاختصاصات المناسبة للحكومة والبرلمان... وبالنسبة للسؤال الثاني : من يقرر ويأمر بالتنفيذ؟ لم يجد المستجوبون صعوبة في الجواب بأن الذي يقرر ويأمر بالتنفيذ هو جلالة الملك، لأن الدستور يعطيه وحده الحق، وهو يستعين بمستشاريه في إبلاغ القرارات والأمر بتنفيذها عن طريق الوزير الأول وعن طريق الإدارة الموضوعة رهن إشارته بما فيها الجهاز الحكومي، وقد أكد أكثرهم أنهم يحبذون أن يبقى القرار بيد الملك ، وقد عللوا ذلك بأنه القاعدة، ولا يوجد بالمغرب لحد الآن إلا نخبة سياسية ضيقة، ولم يتم بعد توسيعها إلى قاعدة سياسية واسعة ناضجة، وهو ما يفرض نوعا من التدرج في إعطاء الصلاحيات لصالح الحكومة والبرلمان، ولأن هناك السواد الأعظم من الشعب المغربي أصبح يفضل العيش بدون تحزب كما ان هناك سخط واضح وتدمر يجب رصده من خلال العزوف عن الانتخابات يوم 7 شتنبر 2007 والتي شارك فيها أكثر من 30 حزبا، ولم تصل نسبة التصويت إلا حوالي 36٪ من الكتلة الناخبة وأن ثلث الأصوات المدلى بها ملغاة فهل هناك أكثر من هذا التذمر؟ وكيف بجائع أن يفكر في إعطاء صوته لمن وعدوه أكثر من مرة على امتداد خمسين سنة ولم يستطيعوا الوفاء ولو لمرة واحدة بما وعدوا به. إن الكثير منا أصبح يتشكك في السياسة والسياسيين بسبب الوضع الحالي الذي تعيشه أحزابنا ونخبنا السياسية بسبب تغييبها عن التدبير الحقيقي للشأن العام الوطني منذ أكثر من خمسة عقود، بل محاربتها خلال عقود من القرن الماضي وعدم تمكينها من أي دور حقيقي يمكنها من انجاز ما وعدت به المواطنين. وعلى كل إنها أراء نحترمها ونقدرها ومثلها يشغل بال الكثير من نخبنا السياسية. ويبقى التأكيد أنه مهما يكن فإن المنهجية الديمقراطية تبقى مطلبا أساسيا متفق عليه من طرف المؤسسة الملكية والشعب المغربي على السواء. وهو الأمر الذي ينبغي النظر إليه من خلال الممارسة السياسية والتوافق المطلوب في أبعاده القانونية والدستورية

|